منذ آلاف السنين، انشغل الفلاسفة بفكرة إمكانية أن تؤدي الأدوات والآلات مهامها بشكل مستقل، وهو التصور الذي عاد إلى الواجهة مع تطور الذكاء الاصطناعي المتسارع، الذي لم يعد تأثيره يقتصر على الوظائف التقليدية، بل امتد إلى أسئلة أوسع تتعلق بالعمل والملكية والإبداع ودور الإنسان في عملية الإنتاج.
وفي مقال نشرته صحيفة «الجارديان»، يستعرض الكاتب البريطاني بول ماسون أفكار الفيلسوف اليوناني أرسطو والاقتصادي كارل ماركس، في محاولة لفهم التحولات التي قد يفرضها الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد والمجتمع، متسائلًا عما يمكن أن يحدث للنظام الرأسمالي إذا أصبحت الآلات قادرة على تنفيذ جزء متزايد من العمل الذهني.
من فلسفة أرسطو إلى ثورة الذكاء الاصطناعي
يستهل ماسون مقاله بالعودة إلى الفيلسوف أرسطو، الذي تناول في كتاب «السياسة» تصورًا افتراضيًا لعالم تستطيع فيه الأدوات تنفيذ مهامها دون تدخل بشري مباشر.
ويشير أرسطو إلى صورة وردت في «الإلياذة» لأدوات تعمل بصورة مستقلة، متسائلًا عما إذا كان من الممكن أن تصبح الآلات قادرة على النسج والعزف بمفردها، بما يلغي الحاجة إلى مساعدين في بعض المهن، ويغير كذلك العلاقة التقليدية بين السادة والعبيد.

ماركس ومفهوم «العقل العام»
ينتقل المقال إلى أفكار كارل ماركس، الذي تحدث في كتاباته عام 1858 عن مفهوم «العقل العام» (General Intellect)، في إشارة إلى تراكم المعرفة العلمية والاجتماعية وتحولها إلى عنصر أساسي في عملية الإنتاج.
ويرى ماسون أن نماذج اللغة الكبيرة المستخدمة في أنظمة الذكاء الاصطناعي تذكر بهذا التصور، إذ تعتمد على كميات ضخمة من المعرفة البشرية، وتستطيع إنتاج النصوص والتحليلات وتنفيذ مهام كانت تتطلب في السابق مهارات بشرية متخصصة.
ولا يعتبر الكاتب أن الذكاء الاصطناعي يمثل تطبيقًا حرفيًا لأفكار ماركس، لكنه يستخدم هذا التشابه لطرح تساؤلات حول التحول الذي يشهده العمل المعرفي مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى مجالات متزايدة.
تأثير الذكاء الاصطناعي يتجاوز الوظائف
ويشير ماسون إلى أن الجدل الدائر حول الذكاء الاصطناعي يركز غالبًا على الوظائف التي قد تختفي نتيجة الاعتماد على الآلات، إلا أن تأثير التكنولوجيا قد يمتد إلى مجالات أخرى، من بينها الابتكار وريادة الأعمال.
ويستشهد الكاتب بالاقتصادي فيليب أجيون، الذي طرح احتمال تغير العلاقة التقليدية بين الابتكار وتحقيق الأرباح، إذا أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على محاكاة عمليات الاكتشاف والتطوير بوتيرة متسارعة، الأمر الذي قد ينعكس على قيمة براءات الاختراع والحوافز الاقتصادية المرتبطة بالابتكار.
من تنفيذ العمل إلى الإشراف على الآلات
ويربط ماسون هذه التحولات بتحليل ماركس للتصنيع خلال القرن التاسع عشر، عندما انتقل العامل في بعض مراحل الإنتاج من تنفيذ العمل بصورة مباشرة إلى الإشراف على الآلات.
ويرى أن تحولًا مشابهًا قد يحدث مع الذكاء الاصطناعي، لكن هذه المرة في مجال العمل الذهني، حيث يمكن أن ينتقل الإنسان تدريجيًا من تنفيذ بعض المهام الفكرية بنفسه إلى إدارة ومراجعة أنظمة قادرة على إنجازها.
هل يقود الذكاء الاصطناعي إلى مجتمع بلا طبقات؟
لا يرى ماسون أن تطور الذكاء الاصطناعي سيؤدي بصورة تلقائية إلى نهاية الرأسمالية أو إقامة مجتمع خالٍ من الطبقات، لكنه يعتقد أن التحول التكنولوجي الحالي يفتح الباب أمام إعادة التفكير في شكل الاقتصاد والمجتمع.
ويطرح الكاتب تصورًا بديلًا لا يقتصر على المنافسة بين النماذج الأمريكية والصينية، وإنما يقوم على تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي مفتوحة وغير مملوكة لجهة واحدة، مع توجيه أهدافها نحو القيم الإنسانية والمصلحة العامة.
ويتضمن هذا التصور توسيع نطاق الخدمات والدخول الأساسية، ودعم نماذج الأعمال التعاونية وغير الربحية، إلى جانب الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في إدارة الموارد والتخطيط الاقتصادي.
لا يتوقع ماسون انهيار الرأسمالية بفعل الذكاء الاصطناعي، لكنه يرى أن التطور التكنولوجي قد يفرض تحديات واسعة على النموذج الاقتصادي الحالي، فيما سيعتمد شكل المرحلة المقبلة، إلى حد كبير، على الطريقة التي يختار بها البشر تطوير هذه التكنولوجيا وتوظيفها.



